ابن الجوزي
127
صفة الصفوة
على ما وفّق لك من قضاء دينك . فلم يخبر ذلك الرجل أحدا إلّا بعد موت عبد اللّه . سلمة بن سليمان قال : جاء رجل إلى عبد اللّه بن المبارك فسأله أن يقضي دينا عليه ، فكتب إلى وكيل له . فلما ورد عليه الكتاب قال له الوكيل : كم الدّين الذي سألت فيه عبد اللّه أن يقضيه عنك ؟ قال : سبعمائة درهم ، فكتب إلى عبد اللّه : إن هذا الرجل سألك أن تقضي سبعمائة درهم فكتبت له بسبعة آلاف ، وقد فنيت الغلّات . فكتب إليه عبد اللّه : إن كانت الغلّات قد فنيت فإنّ العمر أيضا قد فني فأجر له ما سبق به قلمي . وقد رويت لنا هذه الحكاية أبسط من هذا . فأخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا : أنبأ أحمد قال أنبأ أحمد بن عبد اللّه قال نبأ أبي قال : نبأ محمد بن أحمد بن إبراهيم قال : نبأ علي بن محمد بن روح قال : سمعت المسيّب بن واضح يقول : كنت عند عبد اللّه بن المبارك جالسا إذ كلّموه في رجل يقضي عنه سبعمائة درهم دينا . فكتب إلى وكيله : إذا جاءك كتابي هذا وقرأته فادفع إلى صاحب هذا الكتاب سبعة آلاف درهم . فلما ورد الكتاب على الوكيل وقرأه التفت إلى الرجل فقال : أيّ شيء قضّيتك ؟ فقال : كلّموه أن يقضي عني سبعمائة درهم دينا . فقال : قد أصبت في الكتاب غلطا ، ولكن اقعد موضعك حتى أجري عليك من مالي وأبعث إلى صاحبي فأوامره فيك . فكتب إلى عبد اللّه بن المبارك : أتاني كتابك وقرأته وفهمت ما ذكرت فيه ؛ وسألت صاحب الكتاب فذكر أنه كلّمك في سبع مائة درهم وها هنا سبعة آلاف . فإن يكن منك غلط فاكتب إليّ حتى أعمل على حسب ذلك . فكتب إليه : إذا أتاك كتابي هذا وقرأته وفهمت ما ذكرت فيه فادفع إلى صاحب الكتاب أربعة عشر ألفا . فكتب إليه : إن كان عليّ هذا الفعال تفعل فما أسرع ما تبيع الضّيعة ، فكتب إليه عبد اللّه بن المبارك : إن كنت وكيلي فأنفذ ما آمرك به ، وإن كنت أنا وكيلك فتعال إلى موضعي حتى أصير إلى موضعك فأنفذ ما تأمرني به . ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ( من فاجأ من أخيه المسلم فرحة غفر اللّه له » فأحببت أن أفاجئه فرحة على فرحة .